امرأةٌ أنضاها الشوقُ


امرأةٌ أنضاها الشوقُ


أحاطها الشتاءُ بفجرٍ عاصفٍ عقب ليلةٍ ماطرةٍ
تراءى لها بأنها لن تنتهي
شعرت بضيقِ المساحات من حولها
غيمٌ داكنٌ
يغطي مسالك الضوء
امرأةٌ أنضاها شوقُها لمن تعشق
صارت تكتبُ في المساءات الباردةِ..
رسائلَ لا عناوينَ لها...
راحت تحاول استنهاض بقاياها الضنكى
داهمتها مسامير الفجرِ الزرقاء المخترقة أواخر السواد
وخزَ البرد أطراف قدميها...
أسرعت إلى تلك المدفأة...
تأففت
أعوادُ الثقاب مبللة...
ها!!
حمداً لله أن اشتعل أحدها ..
النار بثت بالدفءِ أرجاء المكان
ارتدَ ضوء النار على مرآتها ..
ظهر شحوبُ وجهها...
بانت تقاسيمه المقلقة

العاصفة تلف بدويها المرعب حول بيتها
احتكاك الأغصان على جدار الحجرة
وتساقط أوراق الشجر على الأرض المبللة...
جعلها تُحصي سنوات عمرها بمساعدة صفحات تقويمٍ قديمٍ
ذهبت لتقف أمام النافذة المطلة
"
أشجارٍ تتأود
" تحت غضب الريح
طرقات ضيقة على جنباتها
"
منازلٌ
" شعبيةٌ وحجرية
تكسوها أعشابٌ خضراء
"
أزقةٌ متعرجة
" تصيح فيها الريح
ذهبت بنظراتِها إلى الجهة الأخرى
حيث الطّرقات الإسفلتية على منازلٍ
شرفاتها عاليةٍ من رخام وأعمدة كبيرةٍ بيضاء
وأسوارٍ تحاصرها حدائقُ جميلةٌ
أرادت أن تهرب بأمانيها من الوحدة...
وجلٌ وبلبال افترشا داخلها
تخيلت أنها واقفة على شاطئ بحر
ولما أدركت أنها وحيدةٌ
راحت تلوِحُ للقوارب التي احتوت ركابها
تذكرت أن رسائلها تحملها معها
أخرجتها وأخذت تسقطها على البحر
راقبت انسياب الرسائل مع الموج إلى المدى النائي بعينين مغرورقتين بالدموع..!!


* أنضاها / أهزلها وأتعبها
* الضنى/ الإعياء والتعب
* التأود/ التمايل والتثني
* وجل/ خوف
* بلبال/ شدة الهم والوسواس



"الرسالة الأولى"

هل تظمأُ لصوتي؟..
لقد عطشت إليك وجدتكَ بدمعاتٍ فاضت
أيها البعيدُ القريبُ مني...
لقد وجم صوتي وأنا أنادي عليك...
أنادي لا أحد يسمعُ صوتي
إلا صدى من بين جبلين
وأشجارٌ نقشَ الحب عليها اسمينا...
لا يوجد مايدفئُ برودة أيامي
علبُ الدواء الخاوية تكدست
في أركان حجرتي وحول فراش نومي
أرهقني هذا الانتظارُ البغيض
ورمتني السنوات الموئلمة ما بين التجاعيد وأليل العنوسة
هجينةٌ عن كلِّ الملامحِ التي تناظرني في المساءاتِ الماطرةِ
الشتاءُ يشلحني من دفئي وملابسي...
أشعرُ أن روحكَ تحلقُ حولي
أتقلبُ على نارٍ من ألمٍ وخوفٍ...إلى متى...?
خانتني ذاكرتي ليلة استسلامي لسحر حديثكَ
وصرت تمسد جدائل شعري الأسود وتدخلُ عالمي...
أبصرتك تستريح بين ضفاف صدري
تعيش بأملاكي الحميمة
نبهتكَ من لهفتي إليك...
أشعلتَ سجارتكَ فوقَ وجهي..
لم تبالي لبحّةِ صوتي..
آآآآهـ
شتاءُ يغري امرأةً طوتها السنواتُ
لأن ترتدي أفضل ملابسها.. ترنو للقياكَ
كنتُ عائدةً إليك من حلمٍ نسجتهُ ذاكرتي
صورٌ مختلفة تتراكضُ وراء الطيف
أعتقد أني دخلتُ سن التخريف مبكراً
أو أنني أتعبتُ الذّاكرة مرة أخرى بتخيلاتي وأوهامي..
أحببتُ البحرَ... أقذف إليه رسائلي فلربما تصلُ إليك




الرسالة الثانية

صقيع البرد يسكن في سريري
ها أنا أكتبُ جزءاً مني على ورقاتي وأرميها للموج...
أشعرُ أن حياتي تتسربُ من خلال أصابعي
لم ألتقيكَ ولم تحتضنكَ عيناي ولم تعصر بيديكَ آلامي...
أشعرُ أني عرفتك منذ أن أمطرت السماءُ لأولَ مرةٍ
ومنذ بدأ الدم جريانه في جسدي
ومنذ علت صرختي في منزلنا القديم
ومنذ جرحت يدي وأنا أقطف الزهور في حديقتنا
ومنذ كتبت أحرفي الأولى على صفحات دفتري في مدرستي القديمة...
كنتُ أشاهدك على الصفحات وبين الورق وأسفل ملابسي وأريجي
كنت أنت في كل أشياء خلوتي الجميلة...
أخذت الرسالة من جديدٍ
وأدخلتها في ظرفٍ أنيقٍ
صبت عليها قبلاتها
ثم رمتها إلى البحر
تقاذفتها الأموجُ بعيداً...
عيناها تشاهدانِ بحزن اللون اللازوردي.







أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
القائمة البريدية
قائمة بريدية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك